
120 مليار دولار..هل تقود الرقابة الذكية الجزائر نحو 30 مليار صادرات؟
أثار الرقم المتداول بشأن تجاوز طلبات الاستيراد المسجلة عبر المنصة الرقمية عتبة *120 مليار دولار*نقاشا اقتصاديا واسعا، ليس بسبب ضخامته فحسب، وإنما لما يطرحه من أسئلة حول مستقبل السياسة التجارية في الجزائر، وحدود الرقابة على الواردات، وقدرة المؤسسات على مواصلة الإنتاج والاستثمار في وقت تراهن فيه البلاد على رفع صادراتها خارج المحروقات إلى مستويات تقارب *30 مليار دولار*.
ويرى الدكتور والخبير الاقتصادي *الهواري تيغرسي*أن التعامل مع هذا الرقم يقتضي أولا قراءة دقيقة لمكوناته، بعيدا عن الخلط بين الطلبات المسجلة والعمليات التي تمت الموافقة عليها أو تنفيذها فعلياً. فالطلب، وفق هذه المقاربة، لا يعني بالضرورة الترخيص، كما أن الترخيص لا يعني أن كامل القيمة تحولت إلى مدفوعات فعلية بالعملة الصعبة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى توضيح حجم الطلبات المقبولة والمرفوضة وتلك التي لا تزال قيد الدراسة، فضلا عن قيمة العمليات المنفذة فعليا، حتى لا يتحول رقم أولي إلى مؤشر نهائي بشأن فاتورة الاستيراد.
الرقمنة..من ضبط الاستيراد إلى رقابة أكثر ذكاءً
ويؤكد البروفيسور تيغرسي أن الرقمنة تمثل إحدى أهم الأدوات التي يمكن للدولة الاعتماد عليها لضبط التجارة الخارجية، لما تتيحه من إمكانية تجميع البيانات ومقارنتها والكشف عن الطلبات غير المتناسبة مع طبيعة نشاط المؤسسات أو قدراتها الإنتاجية.
غير أن نجاح الرقابة، بحسب الخبير الاقتصادي، لا يُقاس بمدى التشدد مع جميع المتعاملين، وإنما بقدرة الإدارة على *التمييز بين المؤسسة المنتجة والملفات التي تثير شبهات موضوعية*.
فالمؤسسة التي تتقدم بطلبات لا تتناسب مع نشاطها أو رقم أعمالها يمكن إخضاع ملفها لمزيد من التدقيق، بينما تحتاج المؤسسات الصناعية التي تستورد المواد الأولية أو الآلات والتجهيزات والتكنولوجيا إلى معالجة مختلفة تأخذ بعين الاعتبار مساهمتها في الإنتاج المحلي والاستثمار والتشغيل والتصدير.
وهنا يشدد الدكتور الهواري تيغرسي على أن *الاستيراد ليس كتلة واحدة*؛ فهناك واردات استهلاكية نهائية، وفي المقابل توجد مواد أولية وتجهيزات وآلات وتكنولوجيات تدخل مباشرة في العملية الإنتاجية، ويمكن أن تتحول داخل الجزائر إلى منتجات ذات قيمة مضافة قابلة للتسويق محليا أو التصدير.
هل يمكن بلوغ 30 مليار دولار دون تسهيل الإنتاج؟
ويطرح هدف الوصول بالصادرات خارج المحروقات إلى نحو *30 مليار دولار* معادلة أساسية: هل يمكن تحقيق قفزة في التصدير من دون بناء قاعدة إنتاجية قوية؟ وهل تستطيع المؤسسات رفع قدراتها الإنتاجية إذا لم تحصل في الوقت المناسب على احتياجاتها من المواد الأولية والتجهيزات والتكنولوجيا؟
بالنسبة لتيغرسي، فإن التصدير لا يبدأ من الميناء أو الحدود، وإنما من *المصنع والحقل والمخبر وورشات المناولة*. فالمنتج الجزائري الذي يسعى إلى دخول الأسواق الخارجية يحتاج قبل كل شيء إلى استقرار الإنتاج والجودة والأسعار التنافسية والتمويل واللوجستيك والتكنولوجيا.
وعليه، فإن تقليص الواردات يجب ألا يتحول إلى هدف قائم بذاته، بل ينبغي أن يخضع لمعيار اقتصادي أكثر دقة يميز بين *الاستيراد الذي يستهلك العملة الصعبة والاستيراد الذي يخلق الإنتاج والثروة*.
فاستيراد منتج نهائي للاستهلاك يختلف جذريا عن استيراد آلة تضاعف طاقة مصنع، أو مادة أولية تدخل في تصنيع منتج جزائري يمكن تصديره لاحقاً.
وقد يؤدي منع بعض الواردات إلى توفير العملة الصعبة على المدى القصير، لكن إذا تسبب القرار في توقف خطوط إنتاج أو تأخير استثمارات أو خسارة عقود تصدير، فقد تصبح الخسارة الاقتصادية أكبر من المبلغ الذي جرى توفيره.
رقابة حسب المخاطر بدل تعميم الشك
ويقترح الخبير الاقتصادي الانتقال بالمنصة الرقمية من مجرد فضاء لتسجيل طلبات الاستيراد إلى *منظومة متكاملة لتقييم المخاطر*، تعتمد على مؤشرات موضوعية تشمل رقم أعمال المؤسسة، وقدراتها الإنتاجية، وعدد العمال، ووضعيتها الجبائية، وتاريخ نشاطها التجاري، ومستوى الإدماج المحلي، وحجم صادراتها وطبيعة المنتجات التي تطلب استيرادها.
وبهذه الآلية، يمكن تسريع معالجة ملفات المؤسسات التي تتوفر على مؤشرات اقتصادية سليمة، مقابل إخضاع الملفات التي تحمل مؤشرات غير طبيعية إلى رقابة وتدقيق أعمق.
وهذه، وفق تيغرسي، هي فلسفة *الرقابة الذكية*: دولة قوية في مواجهة التلاعب، ولكن إدارة سريعة ومرنة أمام المؤسسة التي تنتج وتستثمر وتخلق الوظائف وتصدر.
فالمتعامل الاقتصادي ليس خصما للدولة، كما أن الدولة ليست خصما للمؤسسة. العلاقة الطبيعية بين الطرفين يجب أن تقوم على التكامل؛ الدولة تضبط السوق وتحمي المنافسة وتحارب التجاوزات، بينما تعمل المؤسسة على الإنتاج والاستثمار والتشغيل ودفع الضرائب وجلب العملة الصعبة عبر التصدير.
حماية العملة الصعبة لا تعني منع خروجها فقط
ويرى الدكتور الهواري تيغرسي أن مفهوم حماية احتياطات البلاد من العملة الصعبة يحتاج بدوره إلى قراءة اقتصادية أوسع. فالحماية المستدامة لا تعني فقط تقليص خروج الدولار أو اليورو، وإنما *توجيه العملة الصعبة نحو الاستخدامات القادرة على توليد قيمة اقتصادية جديدة*.
فالدولار الذي يُستخدم اليوم لاستيراد آلة أو تكنولوجيا أو مادة أولية قد يتحول مستقبلا
إلى مصدر لجلب أضعافه من العملة الصعبة إذا سمح بإنتاج سلعة تنافسية وتصديرها نحو الأسواق الدولية.
وعندها لا يعود الاستيراد مجرد تكلفة، بل يصبح جزءاً من سلسلة الاستثمار والإنتاج والتصدير.
لذلك، لا ينبغي قياس نجاح السياسة التجارية فقط بحجم الواردات التي جرى تقليصها أو عدد الملفات المرفوضة، وإنما بما تحقق بالتوازي من *نمو في الإنتاج والاستثمار والتشغيل والصادرات*.
فإذا تراجع الاستيراد غير المنتج وارتفعت القدرة الإنتاجية والصادرات، تكون المعادلة ناجحة. أما إذا انخفضت الواردات بالتزامن مع توقف الإنتاج وتأخر المشاريع وخسارة الأسواق، فإن الأمر يستدعي مراجعة الأدوات المستخدمة دون التخلي عن أهداف الرقابة وحماية الاقتصاد.
120 مليار دولار.. رقم قد يتحول إلى فرصة
ويعتقد تيغرسي أن الجدل بشأن *120 مليار دولار* يمكن أن يشكل فرصة لإنشاء لوحة قيادة أكثر دقة وشفافية للتجارة الخارجية، توضح للرأي العام والمتعاملين حجم الطلبات المسجلة، والملفات المقبولة والمرفوضة، وقيمة العمليات المنفذة فعلياً، وحجم المدفوعات الحقيقية، مع تصنيف الواردات وفق طبيعتها وأثرها الاقتصادي.
فالشفافية، في هذه الحالة، لا تحمي المتعامل الاقتصادي فقط، بل تحمي الإدارة وصانع القرار أيضاً، لأنها تجعل القرارات مبنية على بيانات واضحة ومعايير قابلة للقياس.
والتحدي الحقيقي بالنسبة للجزائر لم يعد، وفق هذه الرؤية، مجرد *إدارة الاستيراد، بل إدارة القيمة الاقتصادية للاستيراد*، أي تحديد ما يحتاج إليه الاقتصاد فعلا حتى ينتج أكثر ويستورد أقل بصورة طبيعية ويصدر أكثر بصورة مستدامة.
والوصول إلى عتبة *30 مليار دولار من الصادرات* لن يتحقق بإبطاء حركة المؤسسة الاقتصادية، بل بخلق بيئة تسمح لها بالتوسع والاستثمار ورفع الإنتاجية والمنافسة في الأسواق الدولية.
فالجزائر ليست مضطرة إلى الاختيار بين الرقابة وحرية الإنتاج، وإنما تحتاج إلى الجمع بينهما ضمن معادلة أكثر كفاءة: *صرامة أمام التلاعب، وسرعة أمام الاستثمار، ورقابة على العملة الصعبة دون خنق القدرة الإنتاجية*.
وفي الأخير، يرى الدكتور الهواري تيغرسي أن الرقمنة الناجحة ليست تلك التي ترفض أكبر عدد من الطلبات، بل التي تعرف *أين يجب أن تمنع، وأين يجب أن تسهّل، ولماذا*.
إنها معادلة يمكن أن تجمع بين صرامة الدولة وثقة المتعامل الاقتصادي، وبين حماية العملة الصعبة وتحرير طاقات الإنتاج، وبين الرقابة الضرورية وطموح الجزائر إلى بناء اقتصاد أكثر تنافسية وقدرة على بلوغ *30 مليار دولار من الصادرات خارج المحروقات*.
مقالات ذات صلة


APO NEWS 