APO
آخر الأخبار
الرئيسية أخبار الجالية التأشيرة تفتح ملف المسكوت عنه..ماذا تريد فرنسا من ...
التأشيرة تفتح ملف المسكوت عنه..ماذا تريد فرنسا من الجزائر؟
أخبار الجالية

التأشيرة تفتح ملف المسكوت عنه..ماذا تريد فرنسا من الجزائر؟

APO NEWS 20 جويلية 2026 - الساعة 11:18
الاستماع إلى هذا المقال
تحويل النص إلى صوت — عربي

أثارت التصريحات الأخيرة المنسوبة إلى السفير الفرنسي في الجزائر، بشأن إمكانية عودة عدد التأشيرات الممنوحة للجزائريين إلى مستويات ما قبل الأزمة، موجة من الارتياح والترقب، قبل أن يأتي الموقف الرسمي لوزارة الخارجية الفرنسية لينفي وجود أي اتفاق أو هدف رقمي يتعلق برفع عدد التأشيرات، فاتحًا الباب أمام تساؤلات حول حقيقة الموقف الفرنسي وطريقة إدارة واحد من أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين الجزائر وباريس.

هذا التباين في الخطاب لا يبدو مجرد اختلاف عابر في التقدير، بل يعكس حالة من الضبابية تحتاج إلى توضيح، خاصة أن التصريحات الصادرة عن ممثل دبلوماسي لدولة بحجم فرنسا يُفترض أن تكون منسجمة مع التوجه الرسمي لبلاده، وألا تتحول بعد وقت قصير إلى مادة للنفي والتأويل، بما قد يربك الرأي العام ويؤثر في مناخ الثقة بين البلدين.

وحسب الخبير الاقتصادي البروفيسور الهواري تيغرسي، فإن العلاقات الجزائرية الفرنسية أكبر من أن تُختزل في ملف التأشيرة، وأعمق من أن تخضع في كل مرحلة لمنطق الانفراج والتشدد وفق تقلبات المناخ السياسي. فالشراكات الحقيقية، وفق هذا المنظور، تُقاس بمدى استقرارها ووضوحها وقدرتها على حماية المصالح المشتركة بعيدًا عن الرسائل المتناقضة.

ومن هذا المنطلق، فإن العتاب الموجه إلى السفير الفرنسي لا ينبغي فهمه على أنه استهداف لشخصه، بقدر ما هو تساؤل مشروع حول طريقة إدارة الخطاب الدبلوماسي الفرنسي تجاه الجزائر. فالدبلوماسية تُبنى على الثقة، والثقة تحتاج إلى مواقف واضحة ومسؤولة ومنسجمة، تحترم الرأي العام في البلدين وتجنب العلاقات الثنائية مزيدًا من الغموض.

وبحسب البروفيسور الهواري تيغرسي، فإن فرنسا مطالبة اليوم بقراءة التحولات التي شهدتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة بواقعية أكبر. فالجزائر في 2026 عززت موقعها كشريك مهم في ملفات الطاقة والأمن والاستقرار الإقليمي، إلى جانب توسع طموحاتها في مجالات الاستثمار الصناعي والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر وتنويع الشراكات الاقتصادية.

ومن غير المنطقي، في ظل هذا التحول، أن تتقدم ملفات التعاون الاقتصادي والطاقة والاستثمار، بينما يبقى تنقل رجال الأعمال والباحثين والطلبة والخبراء والكفاءات رهينة التجاذبات السياسية والتوترات الدبلوماسية. فالاقتصاد الحديث لا يقوم على انتقال السلع والطاقة ورؤوس الأموال فقط، بل يعتمد كذلك على حركة الأشخاص وتبادل المعرفة والخبرات.

كما أن فرنسا، رغم ثقلها السياسي والاقتصادي داخل أوروبا، لا تمثل الاتحاد الأوروبي بأكمله، ولا تحتكر مستقبل علاقات الجزائر بالقارة الأوروبية. فالجزائر وسّعت خلال السنوات الأخيرة دائرة شراكاتها مع إيطاليا وألمانيا وإسبانيا وغيرها من الدول، في تحول يعكس توجهًا نحو تنويع الشركاء وإقامة علاقات أكثر توازنًا تقوم على المصالح المتبادلة.

ويرى الخبير الاقتصادي البروفيسور الهواري تيغرسي أن ملف التأشيرات يجب ألا يتحول إلى أداة لقياس حرارة العلاقات بين الجزائر وفرنسا، ترتفع أعدادها في فترات التقارب وتنخفض عند كل أزمة سياسية. فمثل هذا التعامل يضعف مفهوم الشراكة الاستراتيجية ويجعل حركة المواطنين والكفاءات مرتبطة بتقلبات سياسية لا علاقة لهم بها.

الجزائر لا تطالب بفتح الحدود دون ضوابط، ولا بمعاملة خارج القوانين المعمول بها، لكنها من حقها أن تنتظر خطابًا منسجمًا مع المكانة التي تقول فرنسا إنها تمنحها لها كشريك مهم. فإذا كانت باريس تنظر فعلًا إلى الجزائر باعتبارها شريكًا استراتيجيًا، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على تسهيل التنقل القانوني لرجال الأعمال والمستثمرين والطلبة والباحثين والكفاءات، في إطار واضح ومتوازن يخدم مصالح الطرفين.

ويبقى المطلوب اليوم من الجانب الفرنسي مزيدًا من الوضوح، لأن العلاقات بين الدول لا يمكن أن تُبنى على تصريحات تثير التفاؤل في يوم ثم تواجه بالنفي في اليوم التالي، وإنما على التزامات واضحة وخطاب دبلوماسي متماسك يعزز الثقة ويحد من سوء الفهم.

والرسالة إلى السفير الفرنسي في الجزائر ليست رسالة خصومة، بل رسالة مسؤولية دبلوماسية: حين تتحدث فرنسا إلى الجزائريين، ينبغي أن يكون خطابها واضحا ومنسجما مع موقفها الرسمي، لأن العلاقات الجزائرية الفرنسية، بتاريخها وتعقيداتها ومصالحها ومستقبلها، أكبر من أن تبقى رهينة جدل التأشيرة، وتستحق خطابا يرتقي إلى مكانة الجزائر والتحولات التي تشهدها علاقاتها الدولية.

مشاركة :

مقالات ذات صلة