
بعد إنجاز الجزائر..لاغوس أمام اختبار مستقبل الاقتصاد الإفريقي
بعد النجاح الذي حققته الجزائر في احتضان الدورة الرابعة لمعرض التجارة البينية الإفريقية (IATF 2025)، تتجه الأنظار إلى مدينة لاغوس النيجيرية التي ستستضيف الدورة الخامسة من 5 إلى 11 نوفمبر 2027، في موعد لا يُنظر إليه باعتباره معرضًا تجاريًا فحسب، بل محطة مفصلية قد تعيد رسم ملامح التكامل الاقتصادي في القارة الإفريقية.
فخلال سنوات قليلة، تحول معرض التجارة البينية الإفريقية إلى إحدى أهم المنصات الاقتصادية في القارة، بعدما أصبح يجمع الحكومات والمؤسسات المالية والمستثمرين ورجال الأعمال حول هدف مشترك يتمثل في تعزيز التجارة والاستثمار وبناء سلاسل قيمة إفريقية قادرة على تقليص التبعية للأسواق الخارجية.
وشكلت الدورة التي احتضنتها الجزائر عام 2025 نقطة تحول نوعية، حيث تجاوزت مفهوم العرض التجاري التقليدي، لتقدم نموذجًا يرتكز على ربط الاستثمار بالإنتاج، وتشجيع الصناعات التحويلية، والابتكار، والرقمنة، والخدمات اللوجستية، وهو ما عزز مكانة الجزائر كجسر اقتصادي يربط شمال القارة بعمقها الإفريقي.
وفي قراءة لهذا التحول، يؤكد الخبير الاقتصادي والبروفيسور *الهواري تيغرسي* أن معرض التجارة البينية الإفريقية أصبح اليوم أحد أبرز أدوات تنفيذ أهداف منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، مشيرًا إلى أن نجاح الدورات المقبلة لن يقاس بعدد الأجنحة أو الزوار، وإنما بحجم المشاريع الصناعية والاستثمارات التي ستولد بعد إسدال الستار على فعاليات المعرض.
ويضيف البروفيسور *الهواري تيغرسي* أن اختيار نيجيريا لاستضافة نسخة 2027 يعكس ثقلها الاقتصادي داخل القارة، باعتبارها أكبر اقتصاد إفريقي من حيث الناتج المحلي الإجمالي، وصاحبة أكبر سوق استهلاكية، فضلاً عن امتلاكها قاعدة صناعية ومراكز مالية وموانئ استراتيجية تؤهلها لقيادة مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي في غرب إفريقيا.
غير أن التحديات المطروحة أمام الدورة المقبلة تبدو أكبر من أي وقت مضى، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وتصاعد المنافسة الصناعية، والانتقال نحو الاقتصاد الرقمي والأخضر. وهي معطيات تفرض على الدول الإفريقية تسريع وتيرة التصنيع، وتطوير سلاسل القيمة، وتحسين البنية اللوجستية، وتسهيل التمويل والتجارة البينية.
وبالنسبة للجزائر، فإن النجاح التنظيمي الذي حققته في نسخة 2025 يضعها أمام مسؤولية استثمار هذا الزخم عبر توسيع صادراتها خارج قطاع المحروقات، وتعزيز حضور مؤسساتها في الأسواق الإفريقية، وتسريع إنجاز المشاريع الاستراتيجية، وفي مقدمتها الطريق العابر للصحراء، وربط الموانئ بشبكات النقل الحديثة، بما يعزز موقعها كبوابة رئيسية للتجارة والاستثمار في القارة.
ويرى البروفيسور *الهواري تيغرسي* أن مستقبل الاقتصاد الإفريقي لن يتحدد بعدد المؤتمرات أو الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرة الدول الإفريقية على تحويل هذه المبادرات إلى مشاريع إنتاجية وشراكات صناعية مستدامة، ترفع القيمة المضافة للمنتجات الإفريقية وتخلق فرص عمل جديدة.
وبهذا المعنى، ستكون لاغوس 2027 أكثر من مجرد مدينة مستضيفة، بل ساحة لاختبار مدى استعداد إفريقيا للانتقال من مرحلة الطموحات إلى مرحلة الإنجاز، ومن اقتصاد يعتمد على تصدير المواد الأولية إلى اقتصاد قاري متكامل يقوم على الإنتاج والابتكار والتنافسية. وإذا نجحت هذه الرؤية، فإن القارة ستكون أمام فرصة تاريخية لترسيخ مكانتها كقوة اقتصادية صاعدة في النظام العالمي الجدي
APO NEWS 
