APO
آخر الأخبار
الرئيسية إقتصاد وطاقة الجزائر تحصّن سيادتها الاقتصادية بسلاح التحكيم الد...
الجزائر تحصّن سيادتها الاقتصادية بسلاح التحكيم الدولي
إقتصاد وطاقة

الجزائر تحصّن سيادتها الاقتصادية بسلاح التحكيم الدولي

APO NEWS 11 أوت 2026 - الساعة 15:43
الاستماع إلى هذا المقال
تحويل النص إلى صوت — عربي

تدخل الجزائر مرحلة جديدة في إدارة المخاطر القانونية المرتبطة بالاستثمارات والعقود الدولية، بعد استحداث المديرية العامة للتحكيم الدولي التابعة لمصالح الوزير الأول، في خطوة يرى فيها الخبير الاقتصادي والبروفيسور * الهواري تيغرسي* تحولا يتجاوز البعد الإداري والقانوني، ليصل إلى صميم حماية المال العام والسيادة الاقتصادية للدولة.

ويعتبر تيغرسي أن التحكيم الدولي لم يعد مجرد آلية قانونية للفصل في الخلافات التجارية والاستثمارية، بل أصبح خلال العقود الأخيرة أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات الاقتصادية الدولية، بعدما وجدت دول عديدة نفسها أمام مطالبات وتعويضات ضخمة نتيجة نزاعات مع مستثمرين وشركات أجنبية.

التحكيم الدولي..جبهة جديدة للأمن الاقتصادي

بحسب البروفيسور الهواري تيغرسي، فإن خطورة التحكيم الدولي تكمن في أن تداعياته لا تتوقف عند الحكم القانوني، بل يمكن أن تمتد إلى الخزينة العمومية والمشاريع الكبرى وحتى هامش اتخاذ القرار الاقتصادي السيادي.

فالنزاعات الاستثمارية الدولية قد تستنزف موارد مالية معتبرة، سواء عبر التعويضات أو تكاليف الدفاع والاستعانة بمكاتب المحاماة والخبراء الدوليين، وهو ما دفع العديد من الدول إلى إنشاء أجهزة مركزية ومتخصصة بدل ترك إدارة الملفات لكل وزارة أو مؤسسة على حدة.

ومن هذا المنطلق، يرى تيغرسي أن إنشاء الجزائر لمديرية عامة للتحكيم الدولي يعكس انتقالًا من *إدارة النزاع بعد وقوعه إلى استباقه قبل أن يتحول إلى عبء مالي وقانوني*.

 لماذا تحتاج الجزائر إلى هذه الهيئة الآن؟

يأتي هذا التحول بالتزامن مع توجه الجزائر نحو استقطاب استثمارات أجنبية أكبر، خصوصًا في قطاعات المناجم والطاقة والصناعة والسيارات والفلاحة واللوجستيك والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.

ويرى الخبير الاقتصادي أن توسع الاستثمارات والعقود الدولية يرفع بطبيعته مستوى التعرض للمخاطر القانونية، ما يجعل امتلاك جهاز وطني محترف قادر على متابعة هذه الملفات ضرورة اقتصادية وليست مجرد خيار إداري.

ويقول تيغرسي إن السؤال لم يعد ما إذا كانت النزاعات الاستثمارية ستحدث أم لا، وإنما *مدى استعداد الدولة للتعامل معها عندما تحدث، والأهم قدرتها على منعها قبل الوصول إلى التحكيم*.

 الوقاية قبل دفع التعويضات

ويضع البروفيسور الهواري تيغرسي الوقاية في مقدمة الوظائف الاستراتيجية التي ينبغي أن تضطلع بها المديرية الجديدة، معتبرا أن أفضل نزاع تحكيمي بالنسبة للدولة هو ذلك الذي تتمكن من تجنبه قبل أن يبدأ.

ومن هنا تبرز أهمية التدقيق المسبق في العقود الدولية، ومراجعة البنود القانونية والمالية وآليات تسوية النزاعات قبل التوقيع عليها، بما يقلص احتمالات تحول ثغرات تعاقدية مستقبلا إلى مطالبات مالية ثقيلة على الخزينة العمومية.

فالتحكيم، وفق رؤية تيغرسي، لا يبدأ عندما يقدم المستثمر شكواه، وإنما يبدأ عمليا *من لحظة صياغة العقد والتفاوض حول بنوده*.

قيادة موحدة للدفاع عن مصالح الدولة

ويكتسب إنشاء المديرية أهمية إضافية من خلال توحيد طريقة تعامل الدولة مع النزاعات الدولية، بدل تعدد المقاربات بين الوزارات والمؤسسات العمومية.

ويرى تيغرسي أن وجود جهة مركزية يسمح بتراكم الخبرة، وتوحيد استراتيجية الدفاع، وحفظ ذاكرة القضايا السابقة والاستفادة منها عند التفاوض على عقود جديدة.

كما يمكن لهذه المقاربة أن تقلص تكاليف الاستعانة المتكررة بالخبرات الأجنبية، بالتوازي مع بناء كفاءات جزائرية متخصصة في قانون الاستثمار والتحكيم الدولي.

حماية المال العام..وحماية القرار السيادي

ولا يحصر البروفيسور تيغرسي أهمية المديرية في الجانب المالي فقط، بل يربطها مباشرة بمفهوم *السيادة الاقتصادية*.

فبعض النزاعات الاستثمارية، بحسب تحليله، يمكن أن تضع الحكومات أمام ضغوط مالية وقانونية مرتبطة بقرارات أو تشريعات اقتصادية اتخذتها الدولة داخل أراضيها.

ولهذا فإن امتلاك جهاز قوي ومتخصص في التحكيم الدولي يمنح الجزائر قدرة أكبر على الدفاع عن خياراتها ومصالحها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التزاماتها تجاه المستثمرين والشركاء الدوليين.

حماية الدولة لا تتعارض مع جذب المستثمر

ويؤكد الخبير الاقتصادي أن تعزيز قدرات الجزائر في التحكيم الدولي لا ينبغي تفسيره باعتباره تشددًا تجاه المستثمر الأجنبي، بل على العكس، يمكن أن يشكل عنصرا إضافيا لتعزيز الثقة في مناخ الاستثمار.

فالمستثمر الجاد، وفق تيغرسي، يحتاج إلى دولة تتمتع بقواعد واضحة ومؤسسات محترفة وآليات شفافة لمعالجة الخلافات، مثلما تحتاج الدولة إلى مستثمر يحترم العقود والتشريعات الوطنية.

وبذلك تتحقق معادلة تقوم على *حماية المستثمر دون إضعاف الدولة، وحماية الدولة دون الإضرار بجاذبية الاستثمار*.

من هيئة إدارية إلى «غرفة عمليات قانونية»

ويعتبر البروفيسور الهواري تيغرسي أن المديرية الجديدة يمكن أن تتحول، إذا توفرت لها الكفاءات والأدوات الضرورية، إلى ما يشبه *غرفة عمليات قانونية واقتصادية للدولة* في الملفات الاستثمارية الدولية.

ويشمل ذلك تمثيل الجزائر أمام هيئات التحكيم، وتنسيق الدفاع بين مختلف القطاعات، والتفاوض حول التسويات الودية، ومتابعة الأحكام، وتقديم الخبرة والاستشارة القانونية، فضلًا عن المساهمة في مراجعة العقود والاستعانة بالخبرات الوطنية والدولية عند الحاجة.

والأهم، بحسب تيغرسي، أن تتحول الخبرة المتراكمة داخل هذه الهيئة إلى أداة لصناعة القرار، بحيث لا تبقى الدولة في موقع الدفاع بعد ظهور النزاع، بل تنتقل إلى إدارة المخاطر منذ المراحل الأولى للمشروع الاستثماري.

المطلوب..بناء مدرسة جزائرية للتحكيم الدولي

غير أن إنشاء المديرية، في نظر الخبير الاقتصادي، لا يمثل سوى الخطوة الأولى، إذ يتطلب النجاح بناء منظومة وطنية أوسع للتحكيم وإدارة المخاطر القانونية.

ويقترح البروفيسور الهواري تيغرسي العمل على إنشاء بنك وطني للعقود الاستثمارية والنماذج القانونية، إلى جانب قاعدة بيانات تجمع النزاعات السابقة والدروس المستخلصة منها، مع تكوين جيل جديد من المحامين والمحكمين والخبراء الجزائريين المتخصصين في قانون الاستثمار الدولي.

كما يدعو إلى إدراج تقييم المخاطر القانونية ضمن دراسة كل مشروع استثماري كبير، وتعزيز التنسيق بين الهيئات المكلفة بالاستثمار وقطاعات العدل والمالية والخارجية وبقية المؤسسات الاقتصادية المعنية.

ويرى تيغرسي أن تطوير فرق جزائرية متخصصة في التفاوض والتسويات الودية يمكن أن يوفر على الدولة تكاليف مالية كبيرة، لأن *تسوية نزاع بشروط جيدة قبل وصوله إلى التحكيم قد تكون في حد ذاتها انتصارا اقتصاديا ا*.

الاستثمار يحتاج إلى حماية قانونية بقدر حاجته إلى البنية التحتية

وفي قراءته الاقتصادية، يؤكد البروفيسور الهواري تيغرسي أن الدول التي تريد استقطاب استثمارات كبرى لا يكفيها توفير العقار والطاقة والموانئ والطرق والمناطق الصناعية، وإنما تحتاج أيضًا إلى بنية قانونية ومؤسساتية قادرة على حماية العقود وإدارة الخلافات.

فالاقتصاد الحديث، بحسبه، يقوم على تكامل البيئة الاستثمارية واستقرار التشريعات وكفاءة المؤسسات القانونية، وأي ضعف في أحد هذه العناصر يمكن أن يتحول إلى تكلفة مباشرة على الدولة والمستثمر معًا.

من ردّ الفعل إلى الاستباق

ويخلص الخبير الاقتصادي إلى أن استحداث المديرية العامة للتحكيم الدولي ينبغي قراءته كجزء من مسار أوسع لتحديث أدوات الدولة الاقتصادية، خصوصًا مع ارتفاع طموحات الجزائر في استقطاب رؤوس الأموال وإطلاق مشاريع استراتيجية وشراكات دولية جديدة.

فالنجاح الحقيقي، وفق تيغرسي، لن يُقاس فقط بعدد القضايا التي قد تكسبها الجزائر أمام هيئات التحكيم، وإنما أيضًا *بعدد النزاعات التي ستنجح في منعها قبل وقوعها، والأموال التي ستحميها، والعقود التي ستجعلها أكثر توازنا وأمانا ا*.

وفي النهاية، فإن الرهان يتجاوز إنشاء إدارة جديدة إلى بناء *عقيدة وطنية للتحكيم الدولي* تجعل من القانون أداة لحماية الاستثمار والمال العام والقرار الاقتصادي في آن واحد.

وبهذا المنظور، يرى البروفيسور الهواري تيغرسي أن الجزائر يمكنها تحويل التحكيم الدولي من نقطة محتملة للاستنزاف إلى *خط دفاع متقدم عن مصالحها وسيادتها الاقتصادية، دون التفريط في جاذبيتها أمام المستثمرين الدوليين*.

انشر

مقالات ذات صلة