APO
آخر الأخبار
الرئيسية إقتصاد وطاقة الجزائر تحسم معركة الاستثمار…هل بدأت نهاية البيروق...
الجزائر تحسم معركة الاستثمار…هل بدأت نهاية البيروقراطية؟
إقتصاد وطاقة

الجزائر تحسم معركة الاستثمار…هل بدأت نهاية البيروقراطية؟

APO NEWS 19 جوان 2026 - الساعة 10:58
الاستماع إلى هذا المقال
تحويل النص إلى صوت — عربي

لم يعد مسار الإصلاح الاقتصادي في الجزائر يقتصر على سن القوانين واستحداث الهياكل التنظيمية، بل دخل مرحلة أكثر عمقا تقوم على إعادة صياغة منظومة الاستثمار بأكملها، عبر توحيد مراكز القرار وتبسيط الإجراءات ووضع المستثمر في صلب العملية الاقتصادية.

وفي هذا الإطار، يمثل قرار إسناد تسيير المناطق الصناعية ومناطق النشاطات إلى الوكالة الوطنية للعقار الصناعي، بالتزامن مع دخول المراسيم التنفيذية الخاصة بالشباك الوحيد حيز التنفيذ، خطوة استراتيجية تعكس توجها جديدا نحو بناء بيئة استثمارية أكثر كفاءة وشفافية، قادرة على مواكبة متطلبات الاقتصاد الحديث.

ويرى البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي أن هذه الإجراءات تندرج ضمن مسار إصلاحي يهدف إلى معالجة أحد أبرز الاختلالات التي عانى منها الاستثمار في الجزائر لعقود، والمتمثل في تعدد الهيئات المتدخلة وتداخل الصلاحيات، الأمر الذي كان يتسبب في تعطيل المشاريع وإطالة آجال إنجازها.

العقار الصناعي..من التشتت إلى الحوكمة الموحدة

لطالما شكل العقار الصناعي عقدة رئيسية أمام المستثمرين، حيث اصطدم أصحاب المشاريع بتعدد الجهات المسؤولة عن منح التراخيص وتسيير الأوعية العقارية، ما أدى إلى تجميد مساحات واسعة من الأراضي الصناعية وارتفاع كلفة الإجراءات الإدارية.

غير أن توحيد تسيير المناطق الصناعية تحت سلطة هيئة واحدة يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحوكمة الاقتصادية، تقوم على وضوح المسؤوليات وسهولة المتابعة والمساءلة، بما يسمح بتحسين الخدمات المقدمة للمؤسسات الاقتصادية وتسريع وتيرة إنجاز المشاريع.

•الشباك الوحيد.. من استقبال الملفات إلى صناعة القرار

التحول الأبرز في الإصلاحات الحالية يتمثل في منح الشباك الوحيد صلاحيات تنفيذية واسعة، تتجاوز مجرد استقبال ملفات الاستثمار إلى إصدار الرخص والوثائق الأساسية المتعلقة بالمشاريع، بما فيها رخص البناء والاستغلال، ضمن آجال محددة لا تتجاوز 15 يوما.

ويؤكد البروفيسور الهواري تيغرسي أن هذا التوجه يعكس إرادة واضحة للانتقال من نموذج إداري قائم على تشتيت المستثمر بين عشرات المصالح إلى نموذج موحد يجمع مختلف المتدخلين في فضاء واحد، سواء بشكل مادي أو عبر المنصات الرقمية.

مكاسب مرتقبة للاقتصاد الوطني

إذا تم تجسيد هذه الإصلاحات بفعالية على أرض الواقع، فإن الجزائر ستكون أمام فرصة حقيقية لتحقيق جملة من المكاسب الاقتصادية، أبرزها:

تقليص آجال إنجاز المشاريع الصناعية والاستثمارية.

تخفيف الأعباء البيروقراطية التي طالما اشتكى منها المستثمرون.

استرجاع العقارات الاقتصادية غير المستغلة وإعادة توجيهها نحو مشاريع منتجة.

تحسين جودة الخدمات داخل المناطق الصناعية.

-تعزيز الشفافية والحد من المضاربة بالعقار الاقتصادي.

-رفع جاذبية الجزائر كوجهة للاستثمارات المحلية والأجنبية.

وبذلك يصبح معيار النجاح الاقتصادي مرتبطا بجدوى المشروع وقدرته على خلق القيمة المضافة، وليس بقدرة المستثمر على التنقل بين الإدارات والهيئات المختلفة.

التطبيق الميداني.. التحدي الأكبر

ورغم أهمية هذه الإصلاحات، فإن نجاحها يبقى رهينا بمدى قدرتها على إحداث تغيير حقيقي في الممارسة الإدارية اليومية. فالتجارب الدولية تثبت أن القوانين وحدها لا تكفي لتحقيق التحول الاقتصادي إذا لم تترافق مع تحديث طرق العمل وتطوير الكفاءات البشرية واعتماد الرقمنة الشاملة.

وفي هذا السياق، يشدد الخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي على أن الرهان الفعلي لم يعد قانونيا بقدر ما أصبح تنظيميا ورقميا، حيث يتطلب نجاح الشباك الوحيد تنسيقا محكما بين مختلف المؤسسات، تفويضا فعليا للصلاحيات، وربطا شاملا للإدارات بمنظومة معلوماتية موحدة.

نحو بناء دولة اقتصادية حديثة

ما تشهده الجزائر اليوم قد يشكل بداية تحول هيكلي نحو نموذج جديد للدولة الاقتصادية، تكون فيه مختلف حلقات الاستثمار، من العقار والرخص إلى التمويل والمتابعة والتقييم، جزءا من منظومة متكاملة تعمل وفق معايير السرعة والشفافية والنجاعة.

وفي حال نجاح هذا المسار، قد تشهد السنوات المقبلة بروز مناطق صناعية ذكية، وبنوك عقارية رقمية، وأقطاب إنتاج متخصصة، ما من شأنه تعزيز مكانة الجزائر كقاعدة صناعية وإنتاجية إقليمية قادرة على استقطاب رؤوس الأموال وتحويل الفرص الاستثمارية إلى مشاريع حقيقية على أرض الواقع.

بين الطموح والإرادة

اليوم، لم يعد التحدي في إصدار المزيد من النصوص القانونية، بل في قدرة الإدارة على الانتقال من منطق الرقابة البيروقراطية إلى ثقافة الخدمة الاقتصادية. فالقوانين وضعت الإطار، والشباك الوحيد رسم معالم الطريق، والعقار الصناعي أصبح تحت إدارة موحدة، لكن النجاح الحقيقي سيقاس بمدى انعكاس هذه الإصلاحات على واقع المستثمرين.

ويبقى السؤال الذي سيحدد ملامح الاقتصاد الجزائري خلال السنوات القادمة: هل تنجح الجزائر في بناء إدارة تتحرك بسرعة المستثمر وتستجيب لمتطلبات التنمية، أم أن البيروقراطية ستجد طريقها مجدداً إلى تعطيل مشروع التحول الاقتصادي؟

مشاركة :

مقالات ذات صلة