APO
آخر الأخبار
الرئيسية إقتصاد وطاقة من يقود الرأي العام الاقتصادي في الجزائر؟…معركة ال...
من يقود الرأي العام الاقتصادي في الجزائر؟…معركة الثقة قبل الأرقام
إقتصاد وطاقة

من يقود الرأي العام الاقتصادي في الجزائر؟…معركة الثقة قبل الأرقام

APO NEWS 11 جويلية 2026 - الساعة 10:08
الاستماع إلى هذا المقال
تحويل النص إلى صوت — عربي

في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة التي تشهدها الجزائر، لم يعد نجاح الإصلاحات مرتبطًا فقط بإصدار القوانين أو إطلاق المشاريع، بل أصبح رهينًا بقدرة المؤسسات على كسب ثقة الرأي العام.

فالمستثمر اليوم لا يراقب المؤشرات الاقتصادية فحسب، بل يتابع أيضًا مستوى الشفافية، وسرعة تداول المعلومة، وطبيعة الخطاب الاقتصادي السائد، وهو ما يجعل معركة الثقة تسبق في كثير من الأحيان معركة الأرقام.


ومع تسارع وتيرة الإصلاحات في مجالات الاستثمار، والرقمنة، والتجارة الخارجية، والإصلاح البنكي، وتنويع مصادر الدخل، يبرز سؤال جوهري: من يقود الرأي العام الاقتصادي في الجزائر؟


ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن الإجابة لم تعد حكرًا على جهة واحدة، إذ بات الرأي العام الاقتصادي يتشكل من خلال تفاعل المؤسسات العمومية، ووسائل الإعلام، والجامعات، والخبراء، والمؤسسات الاقتصادية، ومنصات التواصل الاجتماعي، فضلًا عن المواطن الذي أصبح عنصرًا مؤثرًا من خلال نقل تجاربه اليومية وتفاعله مع المستجدات الاقتصادية.


ويؤكد الخبير الاقتصادي والبروفيسور *الهواري تيغرسي*أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تعدد الجهات الفاعلة، وإنما في غياب خطاب اقتصادي متناسق يواكب وتيرة الإصلاحات. فالكثير من القرارات الاقتصادية المهمة تُعلن قبل أن تُشرح للرأي العام بالشكل الكافي، ما يفتح المجال أمام الإشاعات والتأويلات التي قد تؤثر في ثقة المستثمرين والمتعاملين الاقتصاديين وحتى المواطنين.


وفي المقابل، فرضت منصات التواصل الاجتماعي واقعًا جديدًا، بعدما تحولت من مجرد فضاءات لتبادل الأخبار إلى أدوات مؤثرة في تشكيل الانطباعات الاقتصادية. فخلال ساعات قليلة قد تنتشر معلومات غير دقيقة أو توقعات غير مبنية على معطيات رسمية، لتتحول إلى قضايا رأي عام تؤثر في سلوك الأسواق وقرارات الاستثمار والاستهلاك.


وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري للخبراء الاقتصاديين والجامعات ومراكز البحث العلمي، التي لم يعد دورها مقتصرًا على تقديم التحليلات الأكاديمية، بل أصبح يشمل تبسيط المفاهيم الاقتصادية وتصحيح المعلومات وتحويل المؤشرات والأرقام إلى رسائل واضحة يفهمها المواطن والمستثمر. ويشدد البروفيسور *الهواري تيغرسي* على أن نجاح أي إصلاح اقتصادي يرتبط بمدى قدرة المؤسسات على شرح أهدافه ونتائجه المنتظرة، لأن السياسات الاقتصادية تحتاج إلى تواصل فعال بقدر حاجتها إلى التنفيذ.


كما تتحمل وسائل الإعلام مسؤولية متزايدة في هذه المرحلة، إذ لم يعد دورها يقتصر على نقل القرارات الرسمية، بل أصبح مطلوبًا منها تقديم قراءة تحليلية تضع كل قرار في سياقه الاقتصادي، وتشرح أسبابه وآثاره والتحديات المرتبطة به. فالإعلام المهني يسهم في ترسيخ الثقة وتعزيز الوعي الاقتصادي، بينما تؤدي المعالجات السطحية أو العناوين المثيرة إلى توسيع دائرة الشك وعدم اليقين.


وتأتي هذه التحديات في وقت يشهد فيه الاقتصاد الجزائري مرحلة انتقالية ترتكز على إطلاق مشاريع استثمارية جديدة، وتوسيع المناطق الصناعية، وتطوير الموانئ، وتسريع الرقمنة، إلى جانب إصلاحات مالية وضريبية وبنكية. غير أن نجاح هذه المسارات، بحسب مختصين، يظل مرتبطًا بوجود بيئة يسودها الوضوح والثقة، وهي عناصر لا توفرها النصوص القانونية وحدها، بل يصنعها أيضًا خطاب اقتصادي موحد يقوم على الشفافية وسرعة المعلومة.


ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى ترسيخ ما يمكن وصفه بـ"الدبلوماسية الاقتصادية الداخلية"، التي تقوم على إدارة ذكية للمعلومة الاقتصادية داخل المجتمع، بحيث تصبح المؤسسات مصدرًا سريعًا وموثوقًا للمعلومة، ويتحول الخبير الاقتصادي إلى شريك في تفسير السياسات العمومية، بينما يؤدي الإعلام دوره في التوعية، وتلتزم منصات التواصل بثقافة التحقق بدل الانجرار وراء الإثارة.


وتؤكد التجارب الدولية أن الدول الأكثر نجاحًا في جذب الاستثمارات لم تعتمد فقط على تحسين بيئة الأعمال، وإنما نجحت أيضًا في بناء رواية اقتصادية وطنية متماسكة، تشرح الإصلاحات وتعزز ثقة المواطنين والشركاء الاقتصاديين في آن واحد.


وفي الجزائر، يبدو أن الرهان خلال المرحلة المقبلة لن يقتصر على رفع معدلات النمو أو زيادة الصادرات واستقطاب الاستثمارات، بل سيمتد إلى بناء رأي عام اقتصادي واعٍ، قادر على التمييز بين الخبر الموثوق والإشاعة، وبين التحليل العلمي والانطباعات غير المستندة إلى معطيات.


وفي هذا الإطار، يرى البروفيسور *الهواري تيغرسي* أن بناء الثقة يمثل أحد أهم الأصول الاقتصادية غير المادية، لأنها تشكل الأساس الذي تُبنى عليه قرارات الاستثمار والاستهلاك، كما تعزز استقرار الأسواق وتدعم فعالية الإصلاحات.


وفي اقتصاد القرن الحادي والعشرين، لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بحجم مواردها الطبيعية أو مؤشرات نموها، بل بقدرتها على إدارة المعرفة، وكسب ثقة المجتمع، وصياغة خطاب اقتصادي متماسك وشفاف. ومن ينجح في بناء هذه الثقة، يكون قد قطع شوطًا كبيرًا في معركة التنمية قبل أن تنعكس نتائجها على أرض الواقع.

مشاركة :

مقالات ذات صلة